سيد محمد طنطاوي

18

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أطلعه اللَّه - تعالى - على أمرهم ، فقال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كي لا يسمعه رب محمد . . « 1 » . وصيغة الأمر في قوله : * ( وأَسِرُّوا ) * و * ( اجْهَرُوا ) * مستعملة في التسوية بين الأمرين ، كما في قوله - تعالى - فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا . . . أي : إن إسراركم - أيها الكافرون - بالإساءة إلى نبينا محمد صلى اللَّه عليه وسلم أو جهركم بهذه الإساءة ، يستويان في علمنا ، لأننا لا يخفى علينا شيء من أحوالكم ، فسواء عندنا من أسر منكم القول ومن جهر به . وجملة * ( إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * تعليل للتسوية المستفادة من صيغة الأمر أي : سواء في علمه - تعالى - إسراركم وجهركم ، لأنه - سبحانه - عليم علما تاما بما يختلج في صدوركم ، وما يدور في نياتكم التي هي بداخل قلوبكم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِه نَفْسُه ، ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شيء بقوله : * ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * . واللطيف من اللطف ، وهو العالم بخبايا الأمور ، والمدبر لها برفق وحكمة ويسر . . والخبير : من الخبر ، وهو العلم بجزئيات الأشياء الخفية ، التي من شأنها أن يخبر الناس بعضهم بعضا بحدوثها ، لأنها كانت خافية عليهم . ولفظ * ( مَنْ ) * في قوله * ( مَنْ خَلَقَ ) * يصح أن يكون مفعولا لقوله * ( يَعْلَمُ ) * ، والعائد محذوف أي : ألا يعلم اللَّه - تعالى - شأن الذين خلقهم ، والحال أنه - سبحانه - هو الذي لطف علمه ودق ، إذ هو المدبر لأمور خلقه برفق وحكمة ، العليم علما تاما بأسرار النفوس وخبايا ما توسوس به . . ويجوز أن يكون * ( مَنْ ) * فاعلا لقوله * ( يَعْلَمُ ) * على أن المقصود به ذاته - تعالى - ، ويكون مفعول يعلم محذوفا للعلم به ، والمعنى : ألا يعلم السر ومضمرات القلوب اللَّه الذي خلق كل شيء وأوجده ، وهو - سبحانه - الموصوف بأنه لطيف خبير . والاستفهام على الوجهين لإنكار ما زعمه المشركون من انتفاء علمه - تعالى - بما يسرونه فيما بينهم ، حيث قال بعضهم لبعض : أسروا قولكم كي لا يسمعه رب محمد .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 18 ص 214 .